أحمد بن حجر الهيتمي المكي
59
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة
إنهما بضعة فلا ينافي ذلك لما قدمناه من أن المفضول قد توجد فيه مزية ليست في الفاضل على أن هذا تفضيل لا يرجع لكثرة الثواب بل لمزيد شرف ففي ذات أولاده من الشرف ما ليس في ذات الشيخين ولكنهما أكثر ثوابا وأعظم نفعا للإسلام والمسلمين وأخشى لله وأتقى ممن عداهما من أولاده فضلا عن غيرهم وأما ما حكاه أعني ابن عبد البر ثانيا عن أولئك الجماعة فلا يقتضي أنهم قائلون بأفضلية علي على أبي بكر مطلقا بل إما من حيث تقدمه عليه إسلاما بناء على القول بذلك أو مرادهم بتفضيل علي على غيره ما عدا الشيخين وعثمان لقيام الأدلة الصريحة الصحيحة على أفضلية هؤلاء عليه فإن قلت ما مستند إجماعهم على ذلك قلت الإجماع حجة على كل أحد وإن لم يعرف مستنده لأن الله عصم هذه الأمة من أن تجتمع على ضلالة ويدل لذلك بل يصرح به قوله تعالى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا النساء 115 وقد أجمعوا أيضا على استحقاقهم الخلافة على هذا الترتيب لكن هذا قطعي كما مر بأدلته مبسوطا فإن قلت لم لم يكن التفضيل بينهم على هذا الترتيب قطعيا أيضا حتى عند غير الأشعري للإجماع عليه قلت أما بين عثمان وعلي فواضح للخلاف فيه كما تقدم وأما بين أبي بكر ثم عمر ثم غيرهما فهو وإن أجمعوا عليه إلا أن في كون الإجماع حجة قطعية خلاف فالذي عليه الأكثرون أنه حجة قطعية مطلقا فيقدم على الأدلة كلها ولا يعارضه دليل أصلا ويكفر أو يبدع ويضلل مخالفه وقال الإمام الرازي والآمدي إنه ظني مطلقا والحق في ذلك التفضيل فما اتفق عليه المعتبرون حجة قطعية وما اختلفوا كالإجماع السكوتي والإجماع الذي ندر مخالفه فهو ظني وقد علمت مما قررته لك أن هذا الإجماع له مخالف نادر فهو وإن لم يعتد به في الإجماع على ما فيه من الخلاف في محله لكنه يورث انحطاطه عن الإجماع الذي لا مخالف له فالأول ظني وهذا قطعي وبهذا يترجح ما قاله غير الأشعري من أن الإجماع هنا ظني لأنه اللائق بما قررناه من أن الحق عند الأصوليين التفضيل المذكور وكان الأشعري من الأكثرين القائلين بأنه قطعي مطلقا ومما يؤكد أنه هنا ظني أن المجمعين أنفسهم لم يقطعوا بالأفضلية المذكورة وإنما ظنوها فقط كما هو المفهوم من عبارات الأئمة وإشاراتهم وسبب ذلك أن المسألة اجتهادية ومن مستنده أن هؤلاء الأربعة اختارهم الله لخلافة نبيه وإقامة دينه فكان الظاهر أن منزلتهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة وأيضا ورد في أبي بكر وغيره كعلي نصوص متعارضة يأتي بسطها في الفضائل وهي لا تفيد القطع لأنها بأسرها آحاد وظنية الدلالة مع كونها متعارضة أيضا وليس الاختصاص بكثرة أسباب الثواب موجبا لزيادته المستلزمة للأفضلية قطعا بل ظنا لأنه تفضل من الله فله أن لا يثيب المطيع ويثيب غيره وثبوت الإمامة وإن كان قطعيا لا يفيد القطع بالأفضلية بل غايته الظن كيف ولا قاطع على بطلان إمامة المفضول مع وجود الفاضل